خريف ادم
خبر من حبر
الاستدراج الامريكي لايران

بعد ان اطمانت لوجودها في العراق واصبح لها موطيء قدم هناك‏,‏ تناور الولايات المتحده حاليا‏,‏ للانتقال الي الضلع الثاني في محور الشر الامريكي الذي رسمه الرئيس بوش قبل اكثر من عام‏,‏ وكما كان الحال مع العراق‏,‏ بدات واشنطن في اماطه اللثام عن رغبتها في تقليم اظافر النظام في طهران‏,‏ خاصه بعد ان فشلت سياسه الاحتواء المزدوج التي مارستها واشنطن معه طوال حقبه التسعينيات من القرن الماضي في تحقيق اهدافها‏.‏ وعلي الرغم من قدره ايران علي التعاطي مع المستجدات المحليه والاقليميه والعالميه‏,‏ سواء من خلال توسيع شبكه علاقاتها الخارجيه خاصه مع بلدان الاتحاد الاوروبي الرئيسيه مثل فرنسا والمانيا وغيرهما من القوي الاسيويه‏,‏ مثل روسيا والصين‏,‏ او عبر ادخال العديد من الاصلاحات الداخليه الجوهريه شكلا ومضمونا‏,‏ الا ان هذا كله قد لا يحول بينها وبين الوقوع في المصيده الامريكيه‏,‏ خاصه انها لاتزال تحتل المرتبه الاولي في قائمه الدول الراعيه للارهاب‏,‏ من وجهه النظر الامريكيه‏.‏

وتبدو الولايات المتحده جاده في سعيها نحو تغيير النظام السياسي في ايران‏,‏ انطلاقا من رؤيتها الجديده لمنطقه الشرق الاوسط‏,‏ والحيلوله دون وجود اي معوق قد يتعارض مع هذه الرؤيه‏.‏ وتنبع الرغبه الامريكيه في تغيير النظام في ايران‏,‏ من واقع الحقائق التاليه‏:‏

أولا‏:‏ تري الولايات المتحده ان ايران مازالت تمثل تهديدا ايديولوجيا لها وعائقا ثقافيا امام انتشار القيم الامريكيه في المنطقه‏,‏ وذلك من واقع تصديرها للافكار الاسلاميه المحافظه حسب تصور واشنطن وذلك علي الرغم من قوه التيار الاصلاحي الايراني وبروزه كقوه مؤثره في تليين الموقف الايراني تجاه العديد من القضايا الاقليميه والعالميه‏,‏ خاصه علي صعيد العلاقات مع واشنطن‏.‏

ثانيا‏:‏ وهو المهم‏,‏ ان الولايات المتحده ومن خلفها اسرائيل مازالت تنظر بعين الحذر لايران‏,‏ باعتبارها القوه الاقليميه الوحيده في المنطقه خاصه بعد سقوط النظام العراقي في بغداد والتي يمكن ان تشكل تهديدا للامن الاسرائيلي وللمصالح الامريكيه في منطقه الخليج بشكل عام‏.‏

ثالثا‏:‏ تحاول الولايات المتحده عزل ايران عن التيار الشيعي في العراق‏,‏ ومنعها من مجرد التفكير في مد الجسور معه مستقبلا‏,‏ وذلك لحرص واشنطن علي الامساك بجميع خيوط اللعبه السياسيه في العراق‏,‏ وبتر اي محاوله ايرانيه قد يكون من شانها التاثير علي خريطه القوي السياسيه هناك‏,‏ خاصه ان نحو‏60%‏ من العراقيين ينتمون للتيار الشيعي‏,‏ وبمعني اخر‏,‏ تخشي واشنطن من ان تشكل ايران خطرا علي العراق الجديد الذي تسعي الولايات المتحده الي تدشينه‏.‏

رابعا‏:‏ تبدو الولايات المتحده علي يقين من العلاقات الوثيقه التي تربط بين ايران ومنظمات المقاومه الفلسطينيه‏,‏ والدعم الكبير الذي تقدمه طهران لمختلف القوي الفلسطينيه لاستمرار الانتفاضه في الاراضي المحتله لارهاق اسرائيل حسب ادعاءات واشنطن فضلا عن علاقه ايران التاريخيه مع حزب الله‏.‏ ومن هذا المنطلق تري واشنطن ان ايران تمثل خطرا علي مستقبل المستجدات علي الساحه الفلسطينيه وعلي راسها خريطه الطريق‏,‏ التي تسعي واشنطن جاهده لتفعيلها وادخالها حيز التنفيذ‏.‏

خامسا‏:‏ الخوف الامريكي المتزايد من احتمالات سعي ايران لتطوير برنامجها النووي‏,‏ والعمل علي استخدام التكنولوجيا النوويه في المجال العسكري‏,‏ وهو ما يجعل واشنطن حذره من اختلال ميزان القوي النووي لصالح طهران في مواجهه تل ابيب‏,‏ فضلا عن قلقها البالغ من احتمالات وصول هذه الاسلحه لايدي جماعات ارهابيه تتذرع واشنطن بتهديدهم لامنها القومي‏,‏ وهو ما دفع بعض رجال الاداره الامريكيه‏,‏ الي التاكيد ان ايران باتت تشكل قضيه ملحه نظرا للتطور الكبير الذي شهده برنامجها النووي خلال العامين الماضيين‏.‏

وتتعدد المكاسب التي يمكن ان تجنيها الولايات المتحده‏,‏ جراء تغيير نظام الحكم في ايران‏,‏ لعل اولها ضمان عدم وجود اي معارضه اقليميه لما يحيكه رجال الاداره الامريكيه الحاليه لمنطقه الشرق الاوسط عموما‏,‏ وفيما يتعلق بخطط واشنطن تجاه القضيه الفلسطينيه وموقفها من سوريا ولبنان بشكل خاص‏,‏ وثانيها هو ضمان الاستقرار والامن في منطقه اسيا الوسطي‏,‏ والوقوف علي ابواب نصف القاره الاسيويه‏,‏ لاكتمال تطويق اي اخطار قادمه من شبه القاره الهنديه سواء من الصين او من اي قوي وجماعات ارهابيه‏,‏ ليكتمل بذلك قوس قزح الامريكي‏.‏ اما ثالثها فيتعلق باتمام السيطره الامريكيه علي بقعه النفط الخليجيه‏,‏ وهو ما يغيب عن اذهان الكثيرين‏,‏ سواء في العراق او في ايران بشكل غير مباشر‏,‏ فايران تمتلك وحدها مايقرب من‏90‏ مليار برميل من النفط‏(8,5%‏ من الاحتياطيات العالميه‏),‏ كما انها تعتبر من وجهه النظر الامريكيه احد الصقور في منظمه اوبك‏,‏ وكثيرا ما ناوات الولايات المتحده حول المصالح النفطيه للاخيره‏.‏ ومن خلال ما سبق‏,‏ لم يكن مستغربا ان يزداد الحديث في واشنطن اخيرا‏,‏ حول التهديدات التي تمثلها ايران بالنسبه لجيرانها‏,‏ فضلا عن التذرع بوجود علاقات وثيقه بين طهران وتنظيم القاعده‏,‏ مما يستوجب معه ضروره التصدي بحزم لاي محاوله ايرانيه قد ينجم عنها اقامه علاقات مع القاعده‏,‏ خاصه بعدما القت تفجيرات الرياض الاخيره بظلالها علي موقف ايران من اعضاء القاعده الموجودين علي اراضيها‏.‏

وعلي غرار ما حدث مع العراق القديم‏,‏ بدات واشنطن في ممارسه الضغوط علي مسئولي وكاله الطاقه الدوليه‏,‏ للبدء في التحري حول برامج ايران النوويه‏,‏ بل واثبات ان ايران تنتهك معاهده حظر الاسلحه النوويه من خلال تطويرها لليورانيوم المخصب المستخدم في صناعه الاسلحه‏.‏ بيد ان الولايات المتحده لم تحدد حتي الان‏,‏ الوسيله المثلي للتعامل مع الملف الايراني‏,‏ وهو ما وضح جليا خلال جلسه النقاش التي عقدت بالبيت الابيض بين جناحي الاداره الامريكيه المتمثلين في وزاره الدفاع ووزاره الخارجيه‏,‏ حيث تصر الاولي علي ضروره تغيير النظام في ايران بالشكل الملائم لذلك‏,‏ بما فيه استخدام القوه العسكريه‏,‏ في حين تري وزاره الخارجيه ضروره اللجوء للوسائل السياسيه والدبلوماسيه في التعامل مع ايران‏,‏ باعتبارها نموذجا مختلفا عن العراق‏,‏ وهو ما اكدته تصريحات وزير الخارجيه الامريكيه كولين باول‏,‏ وان كان تغيير النظام في طهران بشكل عام يعتبر هدفا استراتيجيا لكلا الجناحين‏.‏ كما ترددت في الاوساط والصالونات السياسيه الامريكيه‏,‏ بعض السيناريوهات التي يمكن للولايات المتحده اللجوء اليها لاقصاء النظام الحالي في ايران عن سده الحكم‏,‏ ويمكن اجمالها في سيناريوهين هما‏:‏

الأول‏:‏ يقوم علي استغلال الخلافات الداخليه بين التيارين المحافظ والاصلاحي لتوسيع الفجوه بينهما‏,‏ والدفع بها ناحيه الانشقاق الداخلي بما يساعد علي انهيار النظام هناك لمصلحه الاصلاحيين‏,‏ وهو ما تريده واشنطن علي الاقل كبدايه‏,‏ ثم تتولي بعدها خيوط اللعبه هناك‏,‏ وهي مهمه ليست سهله ولكنها ممكنه‏.‏ وفي هذا الصدد نشير الي الاجتماعات التي عقدها مسئولون امريكيون مع بعض اعضاء التيار الاصلاحي الايراني قبل عده اسابيع في جنيف من اجل الوقوف علي طبيعه الامور في ايران‏.‏ والسيناريو الثاني والاكثر صعوبه يتمثل في عزل ايران كليا عن العالم الخارجي‏,‏ من خلال تكوين راي عام عالمي من مختلف القوي الكبري مثل فرنسا والمانيا واللتين تعلمتا من درس العراق وروسيا والصين من اجل تكثيف الضغط علي ايران وعزلها قدر الامكان‏,‏ بحيث تصبح الموافقه علي اي محاوله امريكيه لتغيير النظام في طهران شبه مضمونه‏.‏ وفي هذا الصدد‏,‏ نشير الي التردد الروسي الملحوظ والذي وضح خلال قمه سان بطرسبرج بين بوتين وبوش‏,‏ وافضت الي قيام روسيا بممارسه بعض الضغوط فيما يتعلق بتزويد ايران بالوقود النووي اللازم لتشغيل مفاعل بوشهر وان كانت روسيا تنفي ذلك باستمرار‏.‏ ولم تشفع السياسات المعتدله التي اتخذتها ايران داخليا وخارجيا لها عند واشنطن‏,‏ كما تناست هذه الاخيره ذلك التعاون الذي ابدته طهران معها ابان الحربين الامريكيتين علي افغانستان والعراق‏,‏ بدءا من الدعم اللوجيستي والاستخباري في الحرب الاولي‏,‏ وانتهاء بالحياد وعدم التدخل في الثانيه‏.‏ ورغم كل ذلك‏,‏ يصعب القول بان الاداره الامريكيه الحاليه ستدخل في مواجهه مع النظام الايراني الحالي علي الاقل خلال الشهور القليله القادمه المتبقيه من عمر هذه الاداره‏,‏ وذلك لعده اعتبارات لعل اهمها‏:‏

أولا‏:‏ اقتراب موسم الحمله الانتخابيه للرئيس بوش‏,‏ وهو ما يجعل فتح الملف الايراني في هذا التوقيت مغامره غير محموده العواقب له ولادارته‏,‏ فضلا عن انه قد ينهي حاله النشوه التي حققها النصر في العراق وصعوبه التضحيه به‏,‏ باعتباره وقود الحمله الانتخابيه القادمه للجمهوريين‏.‏

ثانيا‏:‏ التخبط الحالي للاداره الامريكيه فيما يتعلق بملف اسلحه الدمار الشامل العراقيه‏,‏ وظهور خلافات حول جديه الادله التي ساقتها واشنطن لتبرير الحرب علي العراق‏,‏ وهو ما يتطلب معه ضروره التريث والتمحيص فيما يتعلق بملف الاسلحه النوويه الايرانيه‏,‏ باعتبارها المدخل والحجه الرئيسيه التي قد تستخدم لتغيير النظام في طهران‏.‏

ثالثا‏:‏ التخوف الامريكي من ان يؤدي احتلال ايران او التدخل في شئونها‏,‏ الي توتر الاوضاع في دول المنطقه‏,‏ خاصه حلفاء واشنطن‏,‏ وذلك باعتبار ايران دوله اسلاميه‏,‏ خاصه ان اجواء الاحتقان الناجمه عن احتلال العراق لم تهدا بعد‏.‏

رابعا‏:‏ هناك احتمالات للتريث الامريكي‏,‏ وذلك حتي تلتهب الاوضاع الداخليه في ايران بين جناحي المحافظين والاصلاحيين‏,‏ وبحيث يضحي التدخل الامريكي في اقل درجاته‏,‏ وهو ما المح اليه بعض المعلقين الامريكيين حين اشار الي ان النظام في طهران علي وشك السقوط‏,‏ كما كان الحال مع الاتحاد السوفيتي في السابق‏,‏ وليس امامنا سوي الانتظار حتي حدوث ذلك‏.‏

وبغض النظر عن توقيت التحرك الامريكي الجاد ناحيه طهران‏,‏ يمكن القول ان لحظه الحساب الامريكي لايران قد اقتربت‏,‏ واستدراج النظام هناك قد بدا‏,‏ وهو ما يفرض علي طهران ضروره التحرك الايجابي علي المستويين الداخلي والخارجي لتفادي الوقوع في المصيده الامريكيه‏,‏ ووقف استدراجها نحو المواجهه علي غرار ما حدث مع النظام العراقي السابق‏.‏

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية